أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

269

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وظاهر كلام أبي البقاء أن نصبه على المصدر بفعل محذوف ، فإنّه قال : « إلا أمانيّ » استثناء منقطع ، لأنّ الأمانيّ ليس من جنس العلم ، وتقدير « إلّا » في مثل هذا ب « لكن » ، أي : لكن يتمنّونه أمانيّ ، فيكون عنده من باب الاستثناء المفرّغ المنقطع ، فيصير نظير : « ما علمت إلا ظنا » وفيه نظر . والأمانيّ جمع أمنيّة بتشديد الياء فيهما . وقال أبو البقاء : « يجوز تخفيفها فيهما » . وقرأ أبو جعفر بتخفيفها ، حذف إحدى الياءين ، تخفيفا ، قال الأخفش : « هذا كما يقال في جمع مفتاح : مفاتح ومفاتيح » ، قال النحاس : « الحذف في المعتلّ أكثر » وأنشد قول النابغة : 561 - وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى * ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع « 1 » وقال أبو حاتم : « كلّ ما جاء واحده مشدّدا من هذا النوع فلك في الجمع الوجهان » وأصله يرجع إلى ما قال الأخفش . ووزن أمنيّة : أفعولة من منّى يمنّي إذا تلا وقرأ ، قال : 562 - تمنّى كتاب اللّه آخر ليله * تمنّي داود الزبور على رسل « 2 » وقال كعب بن مالك : 563 - تمنّى كتاب اللّه أوّل ليله * وآخره لاقى حمام المقادر « 3 » وقال تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ « 4 » ، أي : قرأ وتلا ، فالأصل على هذا : أمنوية ، فاعتلّت اعتلال ميّت وسيّد ، وقد تقدّم . وقيل : الأمنيّة الكذب والاختلاق . وقيل ما يتمنّاه الإنسان ويشتهيه . وقيل : ما يقدّره ويحزره من منّى إذا كذب أو تمنّى أو قدّر ، كقوله : 564 - لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم * حتى تلاقي ما يمني لك الماني « 5 » أي : يقدّر لك المقدّر . وقال الراغب : « والمني القدر ، ومنه « المنا » الذي يوزن به ، ومنه : المنيّة وهو الأجل المقدّر للحيوان ، والتمنّي : تقدير شيء في النفس وتصويره فيها ، وذلك قد يكون عن ظنّ وتخمين ، وقد يكون بناء على رويّة وأصل ، لكن لمّا كان أكثره عن تخمين كان الكذب أملك له ، فأكثر التمنّي تصوّر ما لا حقيقة له ، والأمنية : الصورة الحاصلة في النفس من تمنّي الشيء ، ولمّا كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمنّي كالمبدأ للكذب فعبّر به عنه ، ومنه قول عثمان رضي اللّه عنه : « ما تغنّيت ولا تمنّيت منذ أسلمت » . وقال الزمخشري : « والاشتقاق من منّى إذا قدّر ، لأن المتمنّي يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمنّاه ، وكذلك المختلق ، والقارئ يقدّر أنّ كلمة كذا بعد كذا » فجعل بين هذه المعاني قدرا مشتركا وهو واضح . قوله : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ « إن » نافية بمعنى ما ، وإذا كانت نافية فالمشهور أنها لا تعمل عمل « ما » الحجازية ، وأجاز بعضهم ذلك ونسبه لسيبويه وأنشدوا :

--> ( 1 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 1274 ) وليس للنابغة وانظر المقتضب ( 2 / 176 ) ، الأشموني ( 1 / 187 ) ، المخصص ( 17 / 100 ) ، الهمع ( 2 / 150 ) ، الدرر ( 2 / 206 ) . ( 2 ) البيت من شواهد القرطبي ( 2 / 6 ) ، وهو في اللسان ( منى ) . ( 3 ) انظر المحرر الوجيز ( 1 / 330 ) . ( 4 ) سورة الحج ، آية ( 52 ) . ( 5 ) البيت لسويد بن عامر وهو في اللسان والتاج منى ، والقرطبي ( 2 / 6 ) .